بورتريه : ميسي.. كيف ظل عصيًا على الرقابة رغم أن الجميع كان يعرف ما سيفعل؟

حجم الخط:

لم تكن المشكلة الأكبر التي واجهت المدافعين أمام ليونيل ميسي في معرفة ما يريد القيام به، بل في تحديد اللحظة التي سيختار فيها تنفيذه.

فعلى مدار سنوات طويلة، بات سيناريو تحركات النجم الأرجنتيني معروفًا لدى معظم المدافعين؛ ينطلق من الجهة اليمنى، يتجه نحو العمق، يقترب من منطقة الجزاء، ثم يبحث عن التسديد بقدمه اليسرى أو عن تمريرة تفتح الطريق أمام زميل له.

ورغم أن هذه التفاصيل أصبحت مألوفة للجميع، فإن إيقاف ميسي ظل من أصعب المهام في كرة القدم.


فالرقابة الفردية لم تكن كافية، بينما كانت الرقابة المزدوجة تمنحه فرصة لفتح مساحات أمام زملائه. وحتى عندما حاولت الفرق إغلاق المسارات المؤدية إليه، كان قادرًا على تغيير اتجاهه أو سرعته في اللحظة المناسبة، مستفيدًا من أي اختلال في توازن المدافع.

ميسي.. معركة التوازن قبل أن تكون سباق سرعة

سر قدرة ميسي على تجاوز المدافعين لم تكن مرتبطة بالسرعة وحدها، وإنما جاءت نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الفنية والبدنية، أبرزها مركز ثقله المنخفض، والتحكم الاستثنائي بالكرة، والخطوات القصيرة، والقدرة على تغيير السرعة والاتجاه بشكل متكرر، إلى جانب سرعة اتخاذ القرار.

وبمرور السنوات، تغيرت طريقة استخدامه لهذه الأدوات. فبعدما كان يعتمد بشكل أكبر على قطع مسافات طويلة بالكرة وتجاوز أكثر من مدافع، أصبح أكثر اقتصادًا في الحركة، وأقل حاجة إلى الركض المستمر، لكنه احتفظ بقدرته على الظهور في اللحظة التي يكون فيها أكثر خطورة.

وتكمن إحدى أبرز نقاط قوته في قدرته على صناعة المساحة لنفسه، ليس بجسده فقط، وإنما بعقله أيضًا؛ إذ أصبح يعرف متى يتحرك، ومتى يتوقف، ومتى يستدرج المدافع إلى اتخاذ القرار الخاطئ.

الكرة قريبة.. والخيارات مفتوحة

من أكثر التفاصيل التي جعلت مراوغات ميسي مختلفة عن غيره، الطريقة التي يحتفظ بها بالكرة قريبة من قدمه.

فهو لا يدفع الكرة بعيدًا ثم يعتمد على سرعته للحاق بها، وإنما يبقيها تحت سيطرته حتى اللحظة الأخيرة، وهو ما يسمح له بتعديل مسارها بسرعة وفقًا لرد فعل المدافع.

وبقاء الكرة قريبة يمنحه خيارات متعددة في كل لحظة؛ يمكنه مواصلة التقدم، تغيير الاتجاه، تمرير الكرة أو التسديد.

لهذا السبب، لم تكن مراوغات ميسي مجرد مجموعة من الحركات الفنية المحفوظة، بل سلسلة متواصلة من القرارات الصغيرة. كل لمسة تمنحه معلومة جديدة عن تحرك خصمه، وكل حركة من المدافع قد تفتح أمامه خيارًا مختلفًا.

ومن هنا، لم يكن الهدف من مراوغاته هو تجاوز المدافع لمجرد التجاوز، وإنما الوصول إلى نتيجة محددة: الاقتراب من المرمى، خلق زاوية للتسديد، جذب مدافع إضافي أو تحرير زميل من الرقابة.

من الجهة اليمنى إلى العمق.. الخطر يبدأ هنا

أصبح انتقال ميسي من الجهة اليمنى إلى العمق أحد أكثر المشاهد تكرارًا في مسيرته، ومع ذلك ظل من الصعب إيقافه حتى بعدما أصبحت تحركاته معروفة لدى المنافسين.

عندما يواجه المدافع ميسي في هذه الوضعية، يجد نفسه أمام عدة خيارات صعبة.

إذا اندفع نحوه، فإنه يخاطر بمنحه فرصة للمراوغة وتجاوزه، وإذا تراجع، فإنه يترك له مساحة للتقدم، أما إذا خرج لاعب ثانٍ لمساعدته، فقد تظهر مساحة جديدة في مكان آخر من الملعب.

وعندما يصل ميسي إلى العمق، تصبح قدمه اليسرى جزءًا من معادلة مليئة بالاحتمالات؛ يستطيع التسديد نحو الزاوية البعيدة، أو مواصلة المراوغة، أو تمرير الكرة إلى لاعب داخل منطقة الجزاء.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لمراوغة ميسي لا تكمن بالضرورة في عدد المدافعين الذين يتجاوزهم، وإنما في المساحة التي يصنعها لنفسه ولزملائه.

عندما تتحول الرقابة على ميسي إلى مشكلة للمنافس

مع تقدم مسيرته، لم تعد قصة ميسي مرتبطة بقدرته الفردية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالطريقة التي يتعامل بها الفريق مع المساحات التي تخلقها الرقابة المفروضة عليه.

فعندما يقرر المنافس إرسال لاعب ثانٍ أو ثالث لمراقبته، فإنه يترك بالضرورة مساحة في مكان آخر. وإذا حاول إغلاق تلك المساحات، يصبح لاعب آخر أكثر حرية.

وهنا تظهر أهمية المنظومة الجماعية.

وبحسب تحليل فني نشره مركز فيفا للتدريب في يونيو/حزيران 2026، يعتمد المنتخب الأرجنتيني في مراحل من بنائه الهجومي على مجموعة من الأفكار، من بينها الحركة الدورانية، والزيادة العددية على الأطراف، وتغيير جهة اللعب، ثم التسارع نحو الأمام.

وتبدأ الفكرة بتحرك لاعبي الوسط إلى مساحات غير متوقعة، بهدف جذب لاعبي المنافس بعيدًا عن مواقعهم. وعندما يتركز الضغط في جهة معينة، يصبح تغيير اتجاه اللعب وسيلة للوصول إلى المساحة المقابلة.

وفي هذه اللحظة، يستطيع ميسي استغلال الفراغ، سواء بالدخول إليه، أو الاستلام بين الخطوط، أو جذب مدافع إضافي قبل تمرير الكرة إلى لاعب أصبح أكثر حرية.

وبذلك، لا تصبح الفكرة هي تحرير ميسي من الرقابة، وإنما تحويل الرقابة المفروضة عليه إلى مشكلة إضافية أمام الفريق المنافس.

خمسة لاعبين حول ميسي.. وماذا بعد؟

أحيانًا لا يحتاج ميسي إلى التخلص من الضغط من خلال المراوغة.

فإذا وجد ثلاثة أو أربعة أو حتى خمسة لاعبين حوله، قد تكون أفضل إجابة هي ببساطة تمرير الكرة إلى الجهة الأخرى.

وتوضح إحدى الحالات التي تناولها التحليل الفني لفيفا كيف يمكن لميسي أن يجذب عددًا من لاعبي المنافس نحوه، في الوقت الذي يتحرك فيه زملاؤه لتوفير خيارات هجومية في الجهة المقابلة.

ومع تغيير جهة اللعب، تظهر المساحة التي كان المنتخب يبحث عنها، ثم يمكن للهجمة أن تتحول بسرعة إلى الأمام.

وهكذا، فإن وجود عدد كبير من اللاعبين حول ميسي لا يعني بالضرورة نجاح المنافس في عزله عن المباراة، بل قد يتحول إلى عامل يساعد المنتخب الأرجنتيني على خلق المساحات في مناطق أخرى.

سر ميسي.. أن المدافع يعرف الخطة ولا يعرف اللحظة

ربما تختصر هذه الفكرة جانبًا كبيرًا من العبقرية التي ميزت ميسي طوال مسيرته.

فالمدافع غالبًا ما يعرف السيناريو: ميسي سيحاول الدخول إلى العمق، وسيبحث عن قدمه اليسرى، وسيحاول استغلال المساحة.

لكن معرفة السيناريو لا تعني القدرة على إيقافه.

الفرق يصنعه التوقيت؛ متى يغير ميسي اتجاهه؟ متى يسرع؟ متى يبطئ؟ متى يمرر؟ ومتى يقرر أن أفضل خيار هو جذب مدافع آخر وترك المساحة لزميله؟

لهذا ظل إيقاف ميسي مهمة معقدة حتى عندما أصبحت تحركاته مألوفة للجميع. لقد لم تكن قوته في امتلاك حل واحد يصعب توقعه، بل في امتلاكه عدة حلول في اللحظة نفسها، واختيار الحل المناسب قبل أن يتمكن المدافع من الاستجابة.

وهنا تكمن إحدى أهم أسرار مسيرته: ميسي لم يكن يحتاج دائمًا إلى مفاجأة المدافع بما سيفعله، بل كان يكفيه أن يجعله يتردد لجزء من الثانية في اختيار ما يجب عليه فعله.

 

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً